ابن خلدون
19
رحلة ابن خلدون
بقوله : « فحدث بين بعض الناس تشاجر في المسجد الجامع ، وأنكر البعض ما وقع من الاستنامة إلى القول ( أي الاطمئنان إلى وعود التتار ) » . وهنا يعبّر ابن خلدون عن خشيته على نفسه من أذى الرافضين الاستسلام . وعلى الأرجح أن المؤرخ لم ينم تلك الليلة ، وفي الفجر سيكون عند السور . يقول : « . . . وبكّرت سحرا إلى جماعة القضاة عند الباب ، وطلبت الخروج أو التدلّي من السور ، لما حدث عندي من توهّمات ذلك الخبر ، فأبوا عليّ أولا ، ثم أصحوا ، ودلّوني من السّور ، فوجدت بطانته يقصد تيمور - عند الباب ، ونائبه الذي عيّنه للولاية على دمشق » . وكان هذا التتاريّ يدعى شاه ملك ، يصف ابن خلدون لقاءه به على النحو التالي : « فحيّيتهم وحيّوني ، وفدّيت وفدّوني ، وقدّم لي شاه ملك ، مركوبا ، وبعث معي من بطانة السلطان من أوصلني إليه . » . ثم أنزل ابن خلدون في خيمة مجاورة لخيمة تيمور لنك ، إلى أن أذن له بالدخول . فسأله عن سبب وجوده في المشرق ، فأجابه : فرض الحج . ثم سأله عن ظروف تولّيه القضاء المالكي في مصر ، فأجابه عن سؤاله ، وعندما سأله عن ابنه ، وعرف منه أنه كاتب للملك الأعظم في المغرب الجواني ، إذ ذاك سأله تيمور عن المغرب ، وعن موقع طنجة وسبتة وفاس وسجلماسة ، فحدّدها له . لكن تيمور عاد فطلب منه أن يضع كتابا حول بلاد المغرب يحدّد له فيه أقاصيها وأدانيها وجبالها وأنهارها وقراها وأمصارها حتّى كأنه يشاهدها ، فكتب له مختصرا في جغرافية المغرب يقع في 12 من الكراريس ، كما قال . وصار يدخل عليه ، حتى بعد أن اجتاح تيمور المدينة . أما موضع الخلاف في الرّواية فهو ما كان من طلب ابن خلدون السفر إلى مصر . يقول العلامة في متن رحلته : « ثم دخلت عليه يوما آخر فقال لي : أتسافر إلى مصر ؟ فقلت أيّدك الله ، رغبتي إنما هي أنت ، وأنت قد آويت وكفلت ، فإن كان السّفر إلى مصر في خدمتك فنعم ، وإلا فلا بغية لي فيه ، فقال لا ، بل تسافر إلى عيالك وأهلك » . ويقابل ابن تاويت هذا المفصل من رواية ابن خلدون برواية من تاريخ ابن شهبة الذي أوردها على النحو التالي : قال تيمور لابن خلدون : « تهيأ حتى تذهب معي إلى بلادي ، فقال له : في مصر من يحبني وأحبه ، ولا بدّ لك من قصد مصر في